
بين الدستور وصناديق الاقتراع: كيف تستثمر أزمتا الماء والبناء القروي في الخطاب الحزبي بالمغرب؟بقلم: د. حمزة الشوايدكتور في القانون العام والعلوم السياسية، ومحام متمرن بهيئة الدار البيضاءتقديمتشهد الساحة السياسية المغربية، مع اقتراب كل استحقاق انتخابي أو محطة تواصلية، نشاطا مكثفا لماكينات التواصل الحزبي؛ حيث تنتقل القيادات السياسية والمرشحون نحو المداشر والقرى وهوامش المدن لعقد لقاءات مباشرة وتكثيف النشر الرقمي عبر مقاطع مصورة مصممة للاستقطاب السريع. غير أن المعاينة المتخصصة لهذه الممارسة تكشف عن مفارقة هيكلية مزدوجة: فمن جهة أولى، تتسع الهوة بين الوثائق المرجعية المركزية المصوغة بمفاهيم الحكامة والاستدامة والتوازنات الماكرو-اقتصادية، وبين الخطاب الميداني الذي ينحدر نحو تفكيك الحاجيات الحيوية وتسطيح التعقيدات التقنية والقانونية. ومن جهة ثانية، يتحول هذا النمط التواصلي من وسيلة دستورية لتأطير المواطنين ورفع وعيهم السياسي إلى أداة سوسيولوجية لاستثمار الهشاشة والأمية الوظيفية والقانونية لدى فئات عريضة، ولا سيما سكان العالم القروي، من خلال تقديم وعود شفوية جازمة حول ملفات معقدة تتصدرها أزمة الإجهاد المائي ورخص السكن والتعمير القروي.تطرح هذه الظاهرة إشكالية تعالج جدلية النص والواقع: كيف تسهم هندسة الخطاب السياسي الراهن في إفراغ الوظيفة الدستورية للأحزاب من محتواها التأطيري، وإعادة إنتاج الزبونية السياسية في أوساط الهشاشة، لتحول العملية الانتخابية من تعاقد ديمقراطي مبني على البرامج والمحاسبة إلى مقايضة ظرفية تصطدم حتما بالبنية القانونية وإكراهات التدبير العمومي؟المحور الأول: الإطار الدستوري والإداري للخطاب السياسي: أزمة الوظيفة التأطيرية وطمس تراتبية الصلاحياتيحدد الفصل 7 من دستور 2011 والقانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية الوظيفة الجوهرية للفاعل الحزبي في التأطير والتكوين السياسي للمواطنين والمساهمة في التعبير عن إرادة الناخبين في نطاق المؤسسات الدستورية. وتقتضي هذه المكانة تقديم خطاب واقعي يثقف المواطن بالحقوق والواجبات ويوضح الإكراهات المالية والمساطر القانونية الحاكمة للمرافق العامة. إلا أن الممارسة الميدانية تشهد انحرافا سوسيولوجيا وسياسيا واضحا؛ حيث يستبدل التأطير البيداغوجي المستمر بنمط من التعبئة الموسمية القائمة على التسكين اللفظي والوعود الجازمة، مما يفرغ الوظيفة الدستورية للحزب من محتواها التأطيري ويحول التنظيم الحزبي إلى مجرد ماكينة انتخابية تنشط وقت الاقتراع وتغيب عن مهام التثقيف الديمقراطي الدائم.يتجلى هذا الاختلال في تعمد الخطاب الحزبي طمس الحدود المؤسساتية بين اللامركزية واللاتمركز الإداري؛ فرغم أن القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات يخول لرئيس المجلس الجماعي صلاحيات في مجال الشرطة الإدارية ورخص السكن والبناء، فإن هذه الصلاحيات تظل مقيدة باحترام تصاميم التهيئة واستطلاع الرأي الإلزامي للجان التقنية والوكالات الحضرية. كما تخضع هذه القرارات للمراقبة الإدارية الصارمة من قبل الولاة والعمال بموجب الفصل 145 من الدستور، الذي يمنحهم حق الاعتراض وإحالة المقررات غير المشروعة على القضاء الإداري لإبطالها؛ وهو ما يجعل أي وعد انتخابي بتسليم الرخص خارج الضوابط القانونية وعدا باطلا وعديم الأثر التنفيذي يورط رئيس المجلس في مخالفات قد تؤدي إلى عزله قضائيا بموجب المادة 64 من القانون التنظيمي المذكور.يمتد هذا التجاوز التواصلي إلى المؤسسات القطاعية ذات الاختصاص الفني المستقل، وعلى رأسها وكالات الأحواض المائية المنظمة بموجب القانون رقم 36.15 المتعلق بالماء، والشركات الجهوية متعددة الخدمات المحدثة بمقتضى القانون رقم 83.21. وتختص هذه الهيئات حصريا بإجراء الدراسات الهيدرولوجية، وإصدار تراخيص حفر الآبار، وبرمجة شبكات الربط المائي وفق مخططات تنموية واستثمارية متعددة السنوات. وبناء على ذلك، فإن اختزال ملف التزود بالماء في وعود شفوية فورية يمثل مصادرة غير قانونية لاختصاصات مؤسسات الدولة، وخلطا يهدف إلى تحويل المشاريع العمومية الاستراتيجية إلى منجزات حزبية فردية ومكاسب انتخابية ظرفية.يصطدم الخطاب الانتخابي الميداني أيضا مع الترسانة القانونية الزجرية، ولا سيما القانون رقم 66.12 المتعلق بمراقبة وزجر المخالفات في مجال التعمير والبناء، ومقتضيات شرطة المياه في القانون 36.15. يخول القانون 66.12 لمراقبي التعمير وضباط الشرطة القضائية تحرير محاضر المخالفات وتوجيهها مباشرة للنيابة العامة، مع منح العامل سلطة اتخاذ قرارات الهدم التلقائي للبنايات غير المرخصة دون انتظار حكم قضائي. وبالتالي، فإن وعود الحماية الحزبية أو تيسير البناء دون شروط تورط المواطن القروي والبسيط في مخالفات تعرضه للمتابعة القضائية والغرامات الثقيلة، لكون المساطر الزجرية تسري بقوة القانون وبشكل مستقل عن أي وساطة سياسية مفترضة.ينتج عن هذه الفجوة المسطرية بين الوعود والواقع تعميق أزمة الثقة في المؤسسات التمثيلية؛ إذ يكتشف الناخب فور انقضاء الحملات الانتخابية أن حل أزمتي الماء والسكن لا يرتبط بتصويت عاطفي، بل بصرامة المساطر الإدارية والتقنية وأحكام القضاء. ويكرس هذا الانفصال بين الخطاب السياسي والمنظومة القانونية حالة من العزوف السياسي والشعور بالخديعة لدى الفئات الهشة، ما يؤكد حاجة المشهد الحزبي المغربي إلى ترشيد خطابه الدستوري والالتزام بحدود الاختصاصات القانونية المقررة لكل مؤسسة.المحور الثاني: إعادة إنتاج الزبونية الانتخابية في أوساط الهشاشةيقوم التحليل السوسيولوجي للانتخابات على التمييز بين نمطين من السلوك السياسي؛ فبينما تفترض الديمقراطية التمثيلية قيام تعاقد برامجي يصوت بموجبه المواطن على أساس البرامج الاقتصادية والاجتماعية ويمارس المحاسبة والرقابة على النتائج، يكرس الخطاب الميداني في الهوامش والقرى المغربية نمطا من الزبونية السياسية المحدثة. ويقوم هذا النمط على مقايضة الدعم الانتخابي بالنفاذ إلى الخدمات الأساسية، مما يؤدي إلى خصخصة الحقوق الدستورية المنصوص عليها في الفصل 31 من دستور 2011 — كالولوج إلى الماء الصالح للشرب، والسكن اللائق، والتنمية المستدامة — وتحويلها من التزامات عمومية تتكفل بها مؤسسات الدولة والجماعات الترابية إلى منن شخصية وخدمات فردية يمنحها المرشح الحزبي لأنصاره وشبكاته الزبونية.تستند هندسة التواصل الحزبي في هذا السياق إلى استثمار الفجوة المعرفية والأمية الوظيفية والقانونية لدى فئات عريضة من الساكنة القروية. ففي ظل التعقيدات المسطرية المرتبطة بوثائق التعمير، والشياع العقاري، وتدبير الأراضي السلالية والجماعية المؤطرة بـالقانون رقم 62.17 بشأن الوصاية الإدارية على الجماعات السلالية وتدبير أملاكها، إلى جانب مساطر المنصات الرقمية للتراخيص، يعمد الخطاب السياسي إلى حجب هذه القيود التشريعية والتقنية. ويصور تعثر تسليم الرخص أو تأخر مشاريع البنية التحتية للمواطنين على أنه ناتج فقط عن غياب الإرادة أو تخاذل المجالس السابقة، مما يغرس قناعة خاطئة لدى المتلقي بإمكانية تجاوز المساطر القانونية المعقدة متى توفرت وساطة المرشح المنقذ.تعتمد تقنيات التحشيد السياسي في هذه الأوساط على استراتيجية سيكولوجية ثلاثية الأبعاد لبناء تماه وجداني سريع واستقطاب أصوات الفئات الهشة؛ تبدأ بـاستدعاء مشاعر الحرمان والغبن الاجتماعي عبر التركيز على مظاهر المعاناة اليومية مع العطش وسكن الأبناء لكسب التعاطف، وتمر عبر شيطنة الخصوم والتدبير السابق بنعتهم بـالمتخاذلين وبياعة الكلام لتبرئة الذات وتبرير الأزمات البنيوية الناتجة عن الجفاف أو ندرة الموارد، وتكتمل بـالتطمين المطلق الذي يرفع عن المواطن عبء المسؤولية القانونية ويوهمه بالحماية من أي قرارات هدم أو متابعات إدارية تفرضها النصوص الزجرية.
يسفر هذا النمط التواصلي عن تعطيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة المنصوص عليه في تصدير الدستور وفصله الأول؛ إذ يتحول الناخب من مواطن شريك يقيم السياسات العمومية وفق مؤشرات التنمية وجودة الخدمات، إلى زبون انتخابي تابع لشبكات الولاء الشخصي والخدمات الظرفية.
ولا يؤدي هذا التحول إلى إضعاف مصداقية البرامج الحزبية فحسب، بل يكرس شعورا مزمنا بالإحباط بعد انتهاء الانتخابات حين تصطدم المطالب البسيطة بالقوانين المنظمة، مما يغذي العزوف الانتخابي ويقوض أدوار المؤسسات المنتخبة كوسائط ديمقراطية للتنمية والاستقرار المجتمعي.
المحور الثالث: ازدواجية القاموس والمفارقة اللغويةتكشف المقاربة السيميولوجية للخطاب الحزبي في المغرب عن ازدواجية لغوية واتصالية مقصودة تنقسم بين فضاءين متمايزين من حيث أدوات التعبير وجمهور التلقي.
ففي الفضاء المركزي المؤسساتي (المؤتمرات الوطنية، الندوات الصحفية، وصالونات العاصمة)، يعتمد الخطاب لغة تقنية مشحونة بالمؤشرات الماكرو-اقتصادية ومفاهيم الحكامة والاستدامة والانتقال الرقمي والتوازنات المالية، وهي لغة تستهدف النخب والإعلام والمؤسسات الرسمية والشركاء الاقتصاديين.
في المقابل، يتحول الخطاب في الفضاء الميداني الترابي (الأسواق الأسبوعية، ساحات المداشر، ومكبرات صوت الدواوير) إلى دارجة محلية عاطفية مشبعة بالأمثال الشعبية والشحنات الحماسية الموجهة للفئات الهشة، حيث تختزل السياسات العامة المعقدة في شعارات معيشية مبسطة مثل الماء فكل دار ورخصتكم في جيوبكم.
تستند هذه الهندسة التواصلية إلى قاموس لغوي انتقائي يتصدره معجم المظلومية والإنصاف عبر تكرار مفردات ذات حمولة وجدانية مكثفة؛ من قبيل رفع الحكرة، إنصاف المنسيين، رد الاعتبار للبادية، وحقكم المهضوم.
وتتمثل الوظيفة الاتصالية لهذا المعجم في تفريغ المشكلات التنموية والترابية المعقدة من أبعادها التقنية والميزانياتية، وتحويلها إلى صراع قيمي وأخلاقي يمكن المرشح من بناء تماه سيكولوجي سريع مع معاناة المواطن البسيط، وإظهار الحزب بمظهر المدافع الحصري عن الهامش والمحرومين في مواجهة مركزية إدارية مفترضة.
يتكامل هذا النمط اللغوي مع قاموس الوعد الحاسم وتجاوز الإدارة، الذي يوظف صيغا تقريرية جازمة تتحدى المساطر القانونية المعمول بها؛ مثل رخصتكم في جيوبكم، غادي نوقفو معاكم، والسوندا (آلة الحفر) غتوصل للدوار وحنا نحميوكم.
ويؤدي هذا المعجم وظيفة تضليلية خطيرة عبر خلق انطباع زائف لدى الناخب بأن الفاعل السياسي يمتلك سلطة فوق-قانونية قادرة على تعطيل المقتضيات الزجرية لمنظومة التعمير وقوانين حماية الملك العام المائي، مما يوهم الساكنة بإمكانية تحصيل حقوق فردية خارج الضوابط والمساطر التنظيمية التي تلزم الإدارة والمجالس المنتخبة على حد سواء.تكتمل هذه الاستراتيجية التواصلية عبر قاموس الاستقطاب وتخوين المنافسين، الذي يرتكز على نعت الخصوم بـبياعة الوهم، أصحاب المصالح، والمتخاذلين الذين عطشوا الدواوير.
وتكمن الغاية الاتصالية لهذا الخطاب في تبرئة الذات من أي مسؤولية تشريعية أو تدبيرية سابقة، وتحميل المنافسين المسؤولية الحصرية عن الأزمات البنيوية الناتجة عن توالي سنوات الجفاف أو تعقيدات الملكية العقارية.
وتؤدي هذه المفارقة اللغوية في المحصلة إلى تسطيح النقاش العمومي وإفقار الوعي الديمقراطي للناخب؛ إذ يتحول التنافس الحزبي من مقارعة للبدائل والبرامج الواقعية إلى مبارزة بلاغية شعبوية ترفع سقف التوقعات دون أي ضمانات قانونية أو مالية لتنفيذها.المحور الرابع: نماذج تطبيقية لخطاب الفاعلين السياسيين (الأغلبية والمعارضة)
تتحدد ملامح الخطاب السياسي الحزبي في المشهد المغربي الراهن وفق الموقع المؤسساتي للفاعلين؛ حيث ينقسم التخاطب الميداني إلى نمطين رئيسيين: خطاب التسويق الإنجازي واللغة التقنوقراطية لدى أحزاب التحالف الحكومي، وخطاب المظلومية والهجوم الاستقطابي لدى أحزاب المعارضة البرلمانية.
ويعكس هذا التمايز تباينا واضحا في استثمار ملفي الماء والبناء القروي بحسب موقع الحزب من تدبير الشأن العام والمسؤولية التنفيذية.
تعتمد أحزاب الأغلبية الحكومية على تحويل التدبير الوزاري إلى رصيد انتخابي مباشر؛ إذ يوظف حزب التجمع الوطني للأحرار في لقاءاته التواصلية الميدانية (كما في تجمعات إقليمي ميدلت والحوز) سردية حكومة الإنجاز ومسار الثقة، مستعرضا لغة الأرقام المالية الكبرى وبرامج الدعم المباشر ومشاريع تحلية مياه البحر، مع تقديم هذه المشاريع كحلول جاهزة تضمن إنهاء أزمات الدواوير بصورة حاسمة (حزب التجمع الوطني للأحرار — لقاءات ميدانية حول إشكالات الماء).
وبدوره، يستثمر حزب الاستقلال إشرافه على قطاع التجهيز والماء للترافع من منظور الإنصاف المجالي والتعادلية الاقتصادية، مروجا لمخططات تزويد العالم القروي بالماء الصالح للشرب، والشركات الجهوية متعددة الخدمات، ونسب الربط الفردي المبرمجة في أفق 2030 كمنجزات قطاعية تعزز هويته الحزبية في البوادي (تصريحات نزار بركة حول تزويد العالم القروي بالماء الصالح للشرب).
وفي قطاع الإسكان، يقود حزب الأصالة والمعاصرة خطاب قوافل التعمير بالعالم القروي (كما في محطة تارودانت ومناطق الزلزال)، واعدا بتبسيط مذكرات تحديد مدارات الدواوير، وتوفير المساعدة المعمارية المجانية لإنهاء تعقيدات الوكالات الحضرية وإعادة بناء الثقة مع الساكنة القروية (قافلة التعمير الموجهة للعالم القروي بتارودانت — وزارة الإسكان والتعمير).
في المقابل، تبني أحزاب المعارضة استراتيجيتها التواصلية على تفكيك الرواية الرسمية واستثمار الآثار الاجتماعية للجفاف وغلاء المعيشة؛ حيث يرتكز حزب العدالة والتنمية على خطاب شعبي-أخلاقي مباشر يصف الوضع بـأزمة العطش الخانقة، ويربط بين شح المياه وتضارب المصالح في الزراعات التصديرية الكبرى، مستغلا انقطاعات المياه في بعض المدن والقرى لمساءلة حصيلة الأغلبية (حزب العدالة والتنمية — نقد التدبير الحكومي لملف الماء وأزمة العطش).
من جهته، يتحرك حزب التقدم والاشتراكية (PPS) بنبرة نقدية يسارية تحذر من تعميق الفوارق المجالية في مغرب السرعتين، مقدما تعهدات جازمة بإنهاء أزمة التزود بالماء في كافة الجماعات الترابية خلال خمس سنوات ومطالبا بحماية حقوق الفلاح الصغير (حزب التقدم والاشتراكية — تصريحات وتعهدات معالجة أزمة التزود بالمياه).
بينما يوظف حزب الحركة الشعبية (MP) جذوره القروية للمطالبة الصريحة بإلغاء شرط الهكتار الواحد للبناء في البادية ووقف ملاحقة المخالفين بمحاضر الهدم، معتبرا القوانين الحالية عائقا يهدد استقرار سكان الجبال والسهول.
المحور الخامس: خطاب المرشحين في الانتخابات تصل هندسة التواصل السياسي إلى أقصى درجات الاختزال في دوائر التنافس المباشر والانتخابات الجزئية واللقاءات التواصلية بالدواوير؛ حيث يتوارى البرنامج الحزبي والهوية الإيديولوجية كليا خلف خطاب خدماتي مباشر يعتمد الدارجة المغربية لبناء تعاقد زبوني لحظي مع الناخبين.
ويقوم هذا الخطاب على تحويل المساطر الإدارية المعقدة إلى وعود شفوية مجردة توهم المواطن بقدرة المنتخب على تجاوز الضوابط القانونية واستصدار القرارات خارج القنوات المؤسساتية للدولة، مما يكرس هيمنة سلطة الأعيان على حساب الانضباط الحزبي والمؤسساتي.
يتجلى هذا المنحى بوضوح في ملف رخص السكن والتعمير القروي من خلال تداول عبارات ميدانية حاسمة من قبيل: ابنوا ولا تخافوا، الرخص غادي نسهلوها ومكاينش الهدم؛ وهي رسالة تطمينية مضللة تتعمد إغفال المقتضيات الإلزامية لاستطلاع الرأي المطابق للوكالات الحضرية ووثائق التعمير المعمول بها.
كما يتجاهل هذا الوعد الصلاحيات الزجرية الصارمة المقررة في القانون رقم 66.12 المتعلق بمراقبة وزجر المخالفات في مجال التعمير والبناء، والذي يخول للولاة والعمال اتخاذ قرارات الهدم التلقائي للبنايات غير المرخصة، ويلزم المراقبين وضباط الشرطة القضائية بتحرير المحاضر وإحالتها على النيابة العامة، مما يضع المواطن في مواجهة عقوبات مالية وحبسية فور انقضاء الحملة الانتخابية.
يمتد هذا النمط التواصلي إلى ملف التزود بالماء وحفر الآبار عبر استعمال لازمة شائعة في التجمعات القروية: غادي نجيبو السوندا (آلة الحفر) للدوار ونطلقو الما؛ وهو تعبير يختزل إشكالية الإجهاد المائي في مجرد توفير آلة حفر، متجاهلا المنظومة القانونية المنصوص عليها في القانون رقم 36.15 المتعلق بالماء.
ويغيب هذا الخطاب عن الساكنة أن الترخيص بالحفر وجلب المياه يخضع حصريا للموافقة المسبقة لوكالات الأحواض المائية بعد دراسات تقنية تقيس منسوب الفرشة الجوفية، وأن مباشرة الحفر العشوائي يقع تحت طائلة المتابعة الجنائية وتدخل شرطة المياه المخولة قانونا بحجز الآليات وإغلاق الآبار غير القانونية حفاظا على الأمن المائي العام.
تكتمل هذه الوعود في قطاع البنيات التحتية والمسالك والإنارة بترويج عبارات ادعاء النفوذ الشخصي مثل: المشروع مبرمج في مكتبي وغادي يتنفذ الشهر الجاي؛ وهي صيغة تتنافى كليا مع آليات التدبير المالي والترابي المقررة في القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات.
فالأشغال الجماعية لا تصدر بقرارات مكتبية انفرادية، بل تخضع لبرمجة ميزانياتية تمتد لثلاث سنوات، ومصادقة المجلس في دوراته العادية، وتأشيرة مصالح المراقبة الإدارية بالعمالات ووزارة الداخلية، فضلا عن الخضوع الصارم لمرسوم الصفقات العمومية ومساطر طلبات العروض.
ويؤدي تسويق هذه الوعود بالدارجة إلى رفع سقف التوقعات لدى المواطن البسيط، الذي يصطدم بعد الاقتراع باستحالة تنفيذها، مما يكرس أزمة فقدان الثقة في الخطاب الحزبي والعملية الانتخابية برمتها.
المحور السادس: واقع البرامج الحزبية وأزمة القابلية للقياس والمساءلةتعاني الهندسة البرامجية للأحزاب السياسية المغربية من اختلالات بنيوية تعيق تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة المنصوص عليه في تصدير دستور 2011 وفصله الأول؛ إذ يبرز انفصال تام بين الوثيقة المرجعية المكتوبة والممارسة الخطابية الشفوية في الميدان.
فبينما تصاغ البرامج الحزبية داخل لجان وطنية ومكاتب دراسات متخصصة بلغة قطاعية ومؤشرات تقنية وتطبع في كتيبات أنيقة موجهة لوسائل الإعلام والنخب، تظل هذه المضامين غائبة كليا عن لسان المرشح في الدوائر الانتخابية الإقليمية والمحلية، حيث يستعيض عنها بوعود شفوية ارتجالية تستجيب للضغط اللحظي دون أي استناد إلى الأرضية البرامجية لحزبه.
يتفاقم هذا الخلل بغياب دراسات الأثر المالي والجدولة الزمنية الواقعية لتنفيذ الوعود الشفوية المقدمة للساكنة؛ إذ تفتقر الالتزامات المتعلقة بتعبيد الطرق أو تزويد القرى بالماء وإحداث المرافق إلى تحديد مصادر التمويل والاعتمادات المفتوحة في إطار الميزانيات الجماعية أو مساهمات برامج التنمية الجهوية والمخططات الوزارية المؤطرة بقوانين المالية.
وتؤدي هذه الضبابية إلى غياب مؤشرات دقيقة وقابلة للقياس، مما يجعل تقييم الأداء الانتدابي ومساءلة المنتخبين أمرا متعذرا عمليا، ويحول البرنامج الحزبي من تعاقد انتخابي ملزم إلى مجرد إعلان نوايا وشعارات عامة تنتهي صلاحيتها بانتهاء يوم الاقتراع.
تتجلى خطورة هذه الفجوة في الصدمة الإجرائية التي يعيشها المواطن بعد انتهاء المحطة الانتخابية؛ إذ يصطدم بصلابة الواقع الإداري والمؤسساتي الصارم الذي يخضع فيه ربط شبكات الماء لدفاتر تحملات الشركات الجهوية متعددة الخدمات وتراخيص وكالات الأحواض المائية بموجب القانون رقم 36.15، وتخضع فيه رخص البناء لمنصة رخص الرقمية ولجان التعمير الإقليمية ومقتضيات القانون رقم 66.12 الزجري.
ويؤدي تبخر الوعود الشفوية وتحولها إلى سراب أمام صرامة المساطر إلى توليد احتقان مجتمعي وشعور بالخديعة، مما يعمق أزمة العزوف السياسي ويقوض ثقة المواطن في جدوى العملية الديمقراطية ومؤسسات الوساطة الحزبية برمتها.المحور السابع: مسارات الإصلاح وترشيد الممارسة السياسية والحزبية
يقتضي تجاوز هذا القصور التواصلي وترسيخ ممارسة ديمقراطية سليمة إرساء ميثاق وطني ملزم لأخلاقيات التواصل الانتخابي، يمنع الاستغلال الشعبوي للحاجيات الحيوية للفئات الهشة، ويلزم الأحزاب والمرشحين بعدم تقديم وعود تتجاوز الصلاحيات الدستورية والقانونية المقررة لمجالس الجماعات الترابية.
ويتعين مواكبة هذا الميثاق بتطوير الرقابة المؤسساتية على الحملات الميدانية والرقمية، عبر إشراك المجلس الوطني لحقوق الإنسان والهيئة العليا للاتصال السمعي البصري (الهاكا) والمجلس الأعلى للحسابات في رصد الخطاب السياسي وتدقيق البرامج، مع ترتيب جزاءات قانونية صارمة على كل تضليل مسطري أو تحريض على مخالفة القوانين المنظمة للتعمير والموارد المائية.
يتطلب الإصلاح أيضا التفعيل الأمثل للفصل 7 من الدستور وتعديل مقتضيات القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية، من خلال ربط حصة معتبرة من الدعم المالي العمومي السنوي بمدى التزام الأحزاب بتنظيم برامج التأطير والتكوين المستمر للمواطنين والمنتخبين على مدار السنة، بدلا من حصر معايير التمويل في عدد المقاعد المحصل عليها انتخابيا.
ويتكامل هذا الإصلاح الداخلي مع إطلاق مبادرات وطنية لمحو الأمية القانونية والإدارية في العالم القروي والهوامش الحضرية، لتمكين المواطن من استيعاب مسالك القرار الإداري وتوزيع الاختصاصات بين المؤسسات، مما يقطع الطريق أمام الخطابات الزبونية التي تقتات على الجهل بالمساطر.
تكتمل هذه الرؤية الإصلاحية بـالتحديث التشريعي لمنظومة البناء والتعمير في العالم القروي؛ عبر مراجعة المقتضيات القانونية وشروط الترخيص لتتلاءم مع الخصوصيات العقارية والسوسيولوجية للبادية المغربية (مثل إشكالات أراضي الشياع والأراضي السلالية المؤطرة بـالقانون رقم 62.17).
ويشكل الإسراع بإخراج تصاميم تحديد مدارات الدواوير وتبسيط وثائق التعمير مدخلا حاسما لسد الثغرات المسطرية التي يستغلها الفاعلون السياسيون كورقة ضغط انتخابي، مما يسهم في تحقيق عدالة مجالية تضمن كرامة الساكنة القروية وتعيد للعمل السياسي وظيفته التنموية والدستورية النبيلة.
La presse 24 La presse