أخبار عاجلة

ازدواجية الخطاب الحزبي وسؤال التمثيلية: حين تصادر شبكات النفوذ والمال برامج الأحزاب

بقلم: د. حمزة الشواي, دكتور في القانون العام والعلوم السياسية، ومحام متمرن بهيئة الدار البيضاء

مدخل:يكرس الدستور المغربي «الخيار الديمقراطي» كثابت جامع، ويجعل من الأحزاب السياسية الهيئة الدستورية المسؤولة عن تأطير المواطنات والمواطنين وتمثيلهم.

غير أن الممارسة الميدانية تكشف عن شرخ واسع بين خطاب رسمي ترفعه القيادات الحزبية في العاصمة حول الحكامة الترابية والدولة الاجتماعية، وبين خطاب شعبوي يقوده الأعيان في البوادي وهوامش المدن. في هذا المقال، نتناول كيف تحولت تزكيات الترشيح إلى أداة لتعطيل الديمقراطية الداخلية وتكريس شبهات تنازع المصالح.

تناقض الخطاب: بين الواجهة المؤسساتية وواقع التعبئة الميدانيةيكشف المشهد السياسي والانتخابي في المغرب عن ازدواجية واضحة تمس في الصميم مبدأ «ربط المسؤولية بالمحاسبة» المنصوص عليه في تصدير الدستور وفصله الأول.

يتجلى هذا التناقض واقعيا في النموذج التواصلي لأحزاب الأغلبية والتحالفات الحكومية؛ حيث يركز قادة هذه الهيئات في الندوات واللقاءات المركزية بالرباط والدار البيضاء على مفاهيم تقنية مثل «ميثاق الاستثمار الجديد»، «تنزيل ورش الحماية الاجتماعية»، و«الاستدامة المالية».

لكن بمجرد الانتقال إلى الدوائر المحلية في أقاليم مثل سطات، قلعة السراغنة، سيدي قاسم، أو تارودانت، يسقط هذا البناء التكنوقراطي بالكامل؛ إذ يعمد مرشح الدائرة إلى ترجمة برامج الدولة إلى وعود انتخابية زبونية، من قبيل التدخل الفردي لتسريع الاستفادة من «الدعم الاجتماعي المباشر»، أو تسهيل القيد في نظام «أمو تضامن»، أو توزيع وعود التشغيل في أوراش الجماعة وشركات النظافة.

في المقابل، يبرز نموذج أحزاب المعارضة واليسار؛ حيث تصدر قياداتها المركزية خطابا يتمحور حول «العدالة الاجتماعية والمجالية» و«مناهضة زواج المال بالسلطة» و«حماية القدرة الشرائية»، بينما يضطر مرشحوها في الهوامش والقرى إلى تحييد هذه المرجعيات الفكرية، والانخراط في قواعد اللعبة التقليدية القائمة على استمالة شبكات العائلة والولاءات القبلية لضمان العتبة وحصد المقعد.

بورصة التزكيات: الحسابات العددية واستقطاب أصحاب المالتعد مسطرة منح التزكيات الحزبية المحك الدستوري الأكثر كشفا لضعف الانضباط التنظيمي والالتزام بالبرامج.

فبموجب القانون التنظيمي للأحزاب السياسية والقانون التنظيمي لمجلس النواب، ينعقد الاختصاص الحصري للجهاز التنفيذي للحزب في تسليم تزكيات الترشيح؛ غير أن هذه الصلاحية تخضع في الواقع لمنطق «بورصة المقاعد».

يظهر ذلك جليا في استقطاب فئات محددة من المرشحين:•

نموذج المنعش العقاري والمستثمر المحلي: الذي يمول الحملة الانتخابية للائحة بالكامل، ويتحمل مصاريف المقرات الحزبية والإطعام والتنقل، مقابل نيل التزكية الحزبية؛•

نموذج كبار الفلاحين وتجار الجملة: الذين يمتلكون شبكات زبونية واسعة في الأسواق الأسبوعية ومسالك التوزيع.

يتحول الانتداب التمثيلي (النيابي أو الجماعي) بالنسبة لهؤلاء إلى درع واق لحماية المصالح الاقتصادية، والظفر بصفقات الإنارة والطرق والتهيئة، وتيسير رخص التعمير واستغلال المقالع؛ وهو ما يوقع الممارسة الحزبية في صريح مخالفة الفصل 36 من الدستور والمادة 65 من القانون التنظيمي للجماعات، اللذين يحظران بشكل صارم أي شكل من أشكال تنازع المصالح واستغلال النفوذ، وهي المقتضيات التي ما فتئت مذكرات وزارة الداخلية ومناشير رئاسة النيابة العامة تشدد على ترتيب الآثار القانونية الزجرية في حق مرتكبيها.

«الإنزال الانتخابي»: تهميش الأطر وتعطيل الوظيفة الدستورية للحزبتكرس التبعية لسلطة المال أزمة حادة في الحكامة الحزبية عبر آلية فرض الترشيحات المسقطة من الأعلى، والمعروفة بـ«الإنزال الانتخابي».

ففي كل استحقاق انتخابي، تشهد الساحة السياسية مشاهد مكررة لقيادات حزبية تعمد قبيل إيداع الترشيحات إلى تجميد قرارات لجان الترشيح الإقليمية، وتستبعد الأطر والمناضلين الذين راكموا مسارات في التكوين السياسي والجامعي، لفائدة استقطاب وافدين جدد غادروا أحزابهم الأصلية في آخر لحظة لضمان التزكية.

يتحول الحزب بالنسبة لهذا الصنف من المرشحين إلى مجرد «تأشيرة مسطرية» لخوض الاقتراع؛ وهو ما يعطل صراحة مقتضيات الفصل 7 من الدستور والمادة 32 مكررة من القانون التنظيمي للأحزاب السياسية، اللذين يفرضان توظيف الدعم العمومي في التأطير المستمر للمواطنات والمواطنين وإنجاز الدراسات، لتتحول الفروع الحزبية الترابية إلى فضاءات موسمية تفتح أثناء الحملات وتغلق بمجرد الإعلان عن النتائج النهائية للاقتراع.

ازدواجية التواصل: من تكنوقراطية المركز إلى «شعبوية المنصات والأسواق»تمارس الهيئات الحزبية تسويقا سياسيا مزدوجا؛ فهي تضع حدا فاصلا بين الكلام الموجه للنخب في المركز، وبين غض الطرف عن الوعود المخالفة للقانون التي يطلقها المرشحون ميدانيا ورقميا.

وقد تعزز هذا الاستقطاب مؤخرا عبر «التواصل الرقمي الموازي»؛ حيث وظف مرشحون تقنيات البث المباشر على منصات «فيسبوك» و«تيك توك» ومجموعات «واتساب» المغلقة، لاستعراض تدخلاتهم الخدماتية الفردية وتوزيع المساعدات العينية كواجهة إحسان انتخابي، بموازاة الخطاب التقليدي في الأسواق الأسبوعية والمواسم.

يتجسد هذا الواقع بوضوح في ملفي الماء والبناء القروي:•

في المركز: تدبج الأحزاب برامج كبرى حول «الربط المائي بين الأحواض» والبرمجة المالية لثلاث سنوات المؤطرة بالقانون التنظيمي للمالية؛•

في الميدان والمنصات: يخاطب المرشح الساكنة بالدارجة الصريحة بوعود قطعية مثل: «الماء غادي نطلقوه فالفين ونتكلفو بمصاريف الربط»، و*«بناو وسقفو وحنا نسهلو الشواهد الإدارية ورخص السكن ومكاينش الهدم»*.

هذه الممارسات تحول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية المكفولة في الفصل 31 من الدستور إلى ريع انتخابي ومِنَن فردية، في خرق جسيم للمبادئ الدستورية المؤطرة للمرافق العمومية المقررة في الفصلين 154 و155 من الدستور، والقائمة على المساواة والإنصاف والحياد والشفافية.

عن التايب

شاهد أيضاً

حين يُسمّى التضليل تحقيقًا: في نقد التحيّز الإعلامي والتلاعب بالمعايير..

عبد الله مشنونكاتب صحفي مقيم بايطاليا  ليس من الإنصاف أن يُقاس الإعلام بما يُبثّ فقط، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *