
تألقت القصبة الإسماعيلية بمدينة سطات في أبهى حلة، وتحولت إلى مرآة عاكسة لدفء الذاكرة الجماعية ونبض الهوية المغربية، حاضنة لفعاليات اليوم الثاني من الدورة الرابعة عشرة للمهرجان الوطني للوتار.
مهرجان تنظمه جمعية المغرب العميق لحماية التراث ـ إيقاعات المغرب ـ في الفترة ما بين 21 و31 أكتوبر 2026، بشراكة استراتيجية مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل (قطاع الثقافة) وجهة الدار البيضاء ـ سطات، متخذة من الاحتفاء بعيد الوحدة مظلة كبرى للوفاء للذاكرة التراثية وامتدادها الحضاري.
وقد غمر الحدث إقبال جماهيري منقطع النظير، تداخلت فيه أجيال الشباب بآبائهم وأمهاتهم في لوحة عائلية تفاعلت بعفوية مع إيقاعات الفرح وصناعة الفرجة، وكأن جدران القصبة التاريخية أشرعت أبوابها لتعانق أصداء الفرحة الوطنية الشاملة.

مفاجئة العرس التراثي…”الْمَـﮜْرُونَةْ” تعانق “لَوْتَارْ” في ملحمية بدوية فريدة
في قلب منصة السهرة التي اهتزت لها وجدان الحاضرين، فجّر الفنان الكفيف المبدع نوح الكانوني – ابن مدينة أسفي ومنطقة سيدي كانون – مفاجأة من العيار الثقيل، “قنبلة” فنية استثنائية حين أُعلن منشط الأطباق التراثية، عن دمج وامتزاج نغمات الآلة النفخية البدوية الأصيلة “الْمَـﮜرُونَةْ” التي أبدع في ترويض أسرارها الساحرة الفنان “حَسَنْ الَهْمُومْ”.
هذا المزج الخلاق بين الشجن الوتري لـ “لَوْتَارْ” وبين الأنفاس الرعوية الخارجة من أعماق سهول وهضاب قبيلتي “أحْمَرْ” و “عَبْدَةْ” – لا سيما من تخوم جبل إيغود مهد البشرية – خلق وحدة طربية متجانسة جاءت كبلسم شافٍ من جراح هموم واقع الحال.
وهي تجربة غير مسبوقة على الصعيد الوطني تحسب لجرأة ورؤية رئيس الجمعية الأستاذ عبد الله الشخص، امتدادا لنجاحات سابقة دمجت الآلة الوترية “تَّادِينِيتْ” الصحراوية مع لوتار عبدة.

الفنان نوح الكانوني… بصيرة القلب التي صنعت معجزة النغم
لم يكن حضور نوح الكانوني عابرا، فهو العازف، الكاتب، الملحن والمغني الذي تصالح مع بصيرته الداخلية منذ الطفولة.
فرغم إعاقته البصرية، استند مبكرا على سياج الشغف والعزيمة، مسندا بسند عائلي غامر بالحب والاحتضان، ليتأبط آلته رفيقة دربه منذ سن العاشرة.
تأسست مجموعته “فرح الكانوني” سنة 2015 لتكون سفيرة للبهجة الفنية، وأثمرت عن خيارات خالدة مثل أشرطة “عْلَاشْ لَحْسَدْ والْغَيْرَةْ”، “عْذَابِي طَالْ”، و “هُوَ لَعْذَابْ تَابَعْنِي” فضلا عن القطعة الوطنية الحماسية “اللهْ يَنْصَرْ السُّلْطَانْ” التي أداها بثنائي فريد يعانق فيه “لَوْتَارْ” أنفاس “الْمَـﮜرُونَةْ”، متناغما مع روائع العيطة الحصباوية وبراويل الشياظمة التي توثق عُرى الارتباط بالأرض والمجال.
La presse 24 La presse