ليس التراث الموسيقي المغربي مجرد ألحان تُستعاد في السهرات، ولا آلات تقليدية تستحضرها المناسبات العابرة، بل هو ذاكرة شعبية تختزن حكايات الناس وتحولات المجتمع وخصوصية المناطق. ومن هذا المنطلق، تواصل الدورة الرابعة عشرة للمهرجان الوطني للوتار «إيقاعات المغرب»، المنظمة من 21 إلى 31 أكتوبر الجاري، فتح نوافذ متعددة على هذا الموروث، من خلال تكريم رواده، والاحتفاء بتنوعه الفني، وتشجيع الشباب على تعلمه، وإيصاله إلى فضاءات لا تصلها الأنشطة الثقافية عادة.
وفي واحدة من محطات هذه الدورة، احتضنت التظاهرة حفل تكريمات احتفاءً بأسماء ساهمت في خدمة المشهد الفني والثقافي المغربي، وفي مقدمتها الفنان والكاتب والملحن عبد الواحد حجاوي، الذي يرتبط اسمه بمسار إبداعي يستحق استحضاره ضمن الذاكرة الفنية الوطنية.
وقد جاءت هذه المناسبة لتؤكد أن الاعتراف بالفنانين لا ينبغي أن يظل مجرد لحظة احتفالية، بل فرصة للتعريف بتجاربهم وتثمين ما قدموه من عطاء.
ونظمت جمعية المغرب العميق لحماية التراث هذه الدورة بشراكة مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل، قطاع الثقافة، وجهة الدار البيضاء-سطات، في إطار مشروع ثقافي يطمح إلى صون التراث الوطني غير المادي، وإعادة الاعتبار للفنون الأصيلة، وتعزيز حضورها في المشهد الثقافي المغربي.
الشاوية وعبدة.. إيقاعات تستحضر ذاكرة المكان
لم يقتصر حفل التكريمات على الاحتفاء بالأسماء الفنية، بل أتاح المجال أمام تعبيرات تراثية تعكس غنى الموروث الشعبي وتعدد روافده.
فقد شاركت فيه مجموعة «لبهالة اللوز»، ومجموعة «الترين»، ومجموعة الضاحي حسن، ممثلةً ألواناً فنية ترتبط بمنطقتي الشاوية وعبدة، بما تحمله هذه التعبيرات من إيقاعات وأشكال أداء متجذرة في الذاكرة الجماعية.
كما تضمن البرنامج عرضاً مسرحياً يستحضر تجربة الثنائي الراحل قشبال وزروال، اللذين تركا بصمة مميزة في تاريخ الكوميديا الشعبية المغربية، واستطاعا عبر أسلوبهما الخاص أن يعبّرا عن تفاصيل المجتمع وهموم الناس بلغة قريبة من الجمهور.
واستحضار تجربتهما من خلال المسرح ليس مجرد التفاتة إلى اسمين بارزين، بل هو أيضاً محاولة لإبقاء الذاكرة الفنية حية، وربط الأجيال الجديدة بأعلام صنعوا جزءاً من وجدان المغاربة.
وهكذا، جمع الحفل بين الموسيقى التراثية والتعبير المسرحي والتكريم، في صورة تبرز أن الثقافة المغربية ليست لوناً واحداً، بل فسيفساء من التجارب المحلية التي تتكامل لتشكل هوية وطنية غنية ومتنوعة.
أربعة عشر عاماً من مقاومة النسيان في كلمته بالمناسبة، استحضر عبد الله الشخص، رئيس جمعية المغرب العميق لحماية التراث، المسار الذي قطعه المهرجان منذ انطلاقته قبل أربعة عشر عاماً، مؤكداً أن الرهان الأساسي ظل مرتبطاً بحماية التراث الوطني غير المادي، وصون الموروث الموسيقي الأصيل، ورد الاعتبار لرواده، وفتح المجال أمام الأجيال الصاعدة من المبدعين.
وتتجاوز أهمية هذه التجربة مجرد تنظيم حفلات فنية دورية؛ فالمحافظة على التراث تحتاج إلى عمل متواصل يشمل التعريف بالفنانين، وتوثيق التجارب، وتشجيع الممارسة، ونقل المعارف والتقنيات من جيل إلى آخر.
فالألحان التي لا تجد من يواصل أداءها، والآلات التي لا يتعلم الشباب العزف عليها، والتجارب التي لا تجد طريقها إلى التوثيق، كلها مهددة بالتراجع مهما احتلت من مكانة في الذاكرة.ومن هنا تبرز قيمة المبادرات التي تجعل التراث موضوعاً للتكوين والبحث والاحتفاء، لا مجرد مادة للفرجة.
فالماضي لا يحافظ على حضوره تلقائياً، وإنما يحتاج إلى من يمنحه شروط الاستمرار، ويعيد تقديمه بصورة تجعل الأجيال الجديدة قادرة على اكتشافه والتفاعل معه.
من الندوة الفكرية إلى ورشات العزف..
الثقافة أكثر من سهرة وفق ما استعرضه رئيس الجمعية، يتضمن برنامج الدورة الرابعة عشرة محطات تتجاوز العروض الفنية، من بينها تكريم شخصيات فنية وجمعوية، وتنظيم ندوة فكرية بمدينة سطات، إلى جانب ثلاث سهرات فنية كبرى بمدن سطات وبرشيد وبنسليمان، بمشاركة مجموعات تراثية تمثل روافد مختلفة من الثقافة المغربية.
ويعكس هذا التنوع توجهاً نحو توسيع وظيفة المهرجان، حتى لا يظل محصوراً في المنصة والجمهور، بل يتحول إلى فضاء للتبادل الثقافي والتفكير في مستقبل الفنون الأصيلة. فالندوات تتيح مساءلة قضايا التراث وإشكالات استمراره، فيما تمنح السهرات للمجموعات الفنية فرصة للتعبير عن خصوصياتها والتواصل مع جمهور أوسع.
وفي السياق نفسه، برمجت الجمعية ورشات تكوينية لفائدة الشباب بالمركز الثقافي بمدينة ابن أحمد، للتعريف بتقنيات العزف على آلة الوتار. وهي خطوة تكتسي أهمية خاصة، لأن ضمان استمرار هذا الفن لا يتحقق بالتغني بأمجاده وحدها، بل بتوفير فرص تعلمه وممارسته.
فالوتار ليس مجرد آلة تصدر نغمات مألوفة، بل جزء من تقاليد فنية تراكمت عبر الزمن، وتحمل أساليب في العزف والأداء وخبرات لا تنتقل إلا بالممارسة والتعلم.
ومن شأن هذه الورشات أن تفتح أمام الشباب باباً للتعرف عن قرب على هذا الموروث، والمساهمة في استمراره وتطويره دون التفريط في أصالته.
الفن خلف أسوار السجون..
رسالة تتجاوز حدود الفرجةومن بين الجوانب التي تمنح هذه الدورة بعداً اجتماعياً، تنظيم أمسيات موسيقية تراثية داخل المؤسسات السجنية بمدن سطات وابن أحمد وبرشيد، لفائدة نزلائها.
وتحمل هذه المبادرة رسالة واضحة مفادها أن الثقافة ليست امتيازاً محصوراً في الفضاءات المفتوحة أو المناسبات الجماهيرية، بل يمكن أن تكون جسراً للتواصل الإنساني، ووسيلة لإتاحة لحظات من التفاعل مع الذاكرة الوطنية والفنون الأصيلة لفئات لا تتوفر لها دائماً فرص المشاركة في الحياة الثقافية العامة.
فالموسيقى، بما تختزنه من ألحان وإيقاعات وحكايات متوارثة، قادرة على خلق مساحات للتأمل والتواصل، كما يمكن للمبادرات الفنية أن تساهم في دعم الإدماج الثقافي والاجتماعي، عندما تُصمم بروح إنسانية تجعل الثقافة أقرب إلى الجميع.ومن هذه الزاوية، لا تبدو الأمسيات المبرمجة داخل المؤسسات السجنية مجرد فقرات إضافية في برنامج المهرجان، بل تعبيراً عن تصور أوسع لدور الفن في المجتمع، وعن إمكانية انتقال التراث من فضاء الاحتفال إلى فضاءات تحمل حاجات إنسانية واجتماعية مختلفة.
تكريم عبد الواحد حجاوي..
الاعتراف بأصحاب الذاكرة الفنيةاحتل تكريم الفنان والكاتب والملحن عبد الواحد حجاوي مكانة بارزة ضمن حفل التكريمات، في خطوة تعيد تسليط الضوء على مسار فني وإبداعي يستحق التعريف والتقدير. فتكريم الفنانين لا ينبغي أن يُختزل في شهادة أو لحظة تصفيق، بل يفترض أن يكون مناسبة لإعادة قراءة تجاربهم، وإبراز إسهاماتهم، وتقريبها من الجمهور والأجيال الجديدة.
وتكتسب هذه الالتفاتة معناها الأعمق عندما تأتي ضمن تظاهرة تجعل من حماية التراث هدفاً أساسياً لها؛ لأن الذاكرة الموسيقية لا تتشكل من الألحان وحدها، وإنما أيضاً من الفنانين الذين حملوها، وأسهموا في تطويرها، وربطوها بحياة الناس ووجدانهم.
وبين الاحتفاء بعبد الواحد حجاوي، ومشاركة المجموعات التراثية، واستحضار تجربة قشبال وزروال من خلال العرض المسرحي، بدا حفل التكريمات مساحة للاعتراف بتعدد أشكال الإبداع المغربي، وللتأكيد على أن صون الذاكرة الفنية يقتضي الاهتمام بمختلف تعبيراتها، من الموسيقى الشعبية إلى الكوميديا والمسرح.شراكات لإنجاح المشروع الثقافي
وفي كلمته، وجه عبد الله الشخص الشكر إلى وزارة الشباب والثقافة والتواصل، قطاع الثقافة، ومجلس جهة الدار البيضاء-سطات، كما نوه بمجهودات عامل إقليم سطات، وبمساهمة أشياخ آلة الوتار والفنانين والمجموعات التراثية المشاركة.
وشمل التنويه كذلك السلطات المحلية والأمنية والمدنية والعسكرية، والمديريتين الجهوية والإقليمية للثقافة والأطر العاملة بهما، والجماعة الترابية لمدينة سطات، وكل من ساهم في توفير شروط تنظيم هذه الدورة وإنجاح فعالياتها.
وتؤكد هذه الإشارات أهمية الشراكة بين المجتمع المدني والمؤسسات العمومية والفاعلين الثقافيين، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمبادرات تستهدف حماية موروث مشترك. فاستمرار المشاريع الثقافية يحتاج إلى رؤية واضحة، وعمل جمعوي متواصل، وإمكانات تساعد على تنفيذ البرامج، فضلاً عن دعم التكوين والتوثيق وتوسيع دائرة المستفيدين.
كما استهل رئيس الجمعية كلمته بالتوقف عند تزامن الدورة مع تخليد الذكرى الثانية لعيد الوحدة، معبراً عن الاعتزاز بالانتصارات التي حققتها الدبلوماسية الملكية بقيادة الملك محمد السادس. وهو ما أضفى على المناسبة بعداً وطنياً ربط بين الاحتفاء بالثقافة المغربية وقيم الوحدة والانتماء.
التراث مسؤولية لا تنتهي بانتهاء المهرجانمع اقتراب اختتام الدورة الرابعة عشرة في 31 أكتوبر الجاري، تبرز قيمة «إيقاعات المغرب» في تنوع محطاته، من التكريمات والسهرات والندوة الفكرية إلى ورشات تكوين الشباب والأمسيات المبرمجة داخل المؤسسات السجنية.
غير أن الرهان الحقيقي لا يتوقف عند نجاح دورة أو تنظيم تظاهرة، مهما كانت أهميتها؛ بل يتعلق بمدى القدرة على تحويل هذه المبادرات إلى عمل ثقافي مستمر، يضمن توثيق التجارب، ويشجع الشباب على تعلم الآلات التقليدية، ويمنح الفنانين وحملة التراث المكانة التي يستحقونها.فالتراث الذي لا يجد من يحمله إلى المستقبل قد يتحول، مع مرور الوقت، إلى مجرد ذكرى تُستعاد في المناسبات.
أما عندما يصبح موضوعاً للتعلم والممارسة والتوثيق والتجديد، فإنه يظل جزءاً حياً من المجتمع، قادراً على مخاطبة الحاضر والانفتاح على المستقبل.وبين أنغام الوتار، وأصوات المجموعات التراثية، واستحضار رموز الكوميديا الشعبية، وتكريم الفنانين، تتجدد الرسالة التي يحملها المهرجان الوطني للوتار «إيقاعات المغرب»: إن حماية الذاكرة الثقافية ليست مسؤولية جمعية أو فنان وحده، بل مسؤولية جماعية تبدأ بالاعتراف بالموروث، وتستمر بتعليمه وتوثيقه، ولا تكتمل إلا بضمان انتقاله إلى الأجيال المقبلة.